الشريف الرضي

371

حقائق التأويل في متشابه التنزيل

أراد أن يبين مفارقة الجملة الأخرى لها من وجه ، لان هذا هو الواجب في موضع ما جرى هذا المجرى من الكلام ، فإذا كانت الجملة الأولى مشروطة بفقد [ 1 ] التوبة ، فيجب أن تكون الثانية غير مشروطة بذلك ، فكأنه تعالى بين أن ما دون الشرك قد يكون فيه ما يغفر بمجانبة الكبائر ، وانه مخالف للشرك في ذلك ، ولم يرد تعالى أن يميز ما هذه حاله ، لان ذلك لا يمكن الا بتعريف الصغائر ، وتعريف الصغائر [ 2 ] غير جائز ، لما فيه من الاغراء بالمعاصي وتسهيل الطريق في التخطي من الصغائر إلى الكبائر . ولأجل هذا روي ( عن 3 ) بعض العلماء الصالحين أنه قال : ( اجعل بينك وبين الحرام حاجزا من الحلال ، فإنك إذا استوفيت الحلال كله تاقت نفسك إلى الحرام ففعلته ) [ 4 ] . فاما تعلقهم بأن الحكيم لا يجوز أن يتمدح بأنه لا يغفر الشرك تفضلا [ و 5 ] بأنه يغفر ما دونه واجبا ، فالجواب عنه : أن الغفران لا يتضمن الوجوب ولا التفضل ، وإنما يتضمن الفعل المخصوص فقط ، وهو بمنزلة قول القائل : ( لا أعطي زيدا مالا ) ، في أنه لا يتضمن وجوبا ولا تفضلا ، فإذا قال : وأعطي مالا من أشاء من أولادي ، لم يجب ان يريد بذلك التفضل دون الواجب ، وذلك بين . وقد اتت هذه الجملة من وراء شبه المخالفين ، وإنما غرضهم بهذه

--> ( 1 ) وفي ( خ ) : بفعل . ( 2 ) وفي ( خ ) : تعريفها . ( 3 ) : الزيادة منا . ( 4 ) تقدمت هذه الكلمة صفحة 201 مع زيادة عما هنا وتغيير . ( 5 ) زيادة في ( خ ) .